جوزاف عون يرسم معادلة ردع جديدة لحماية لبنان

في لحظة سياسية مفصلية أعادت خلط الأوراق في الشرق الأوسط، وبعد إعلان اتفاق التهدئة في غزة، أطلّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب من القدس بخطاب حمل رسائل مباشرة إلى لبنان. فبعد أسابيع من حملة سياسية وإعلامية واسعة في بيروت وخارجها لمّحت إلى “امتعاض واشنطن” من أداء الرئيس اللبناني جوزاف عون، جاء كلام ترامب ليُسقط كل تلك التكهنات، إذ أشاد علنًا بـ«دور الرئيس عون في تنفيذ خطة نزع سلاح ألوية حزب الله»، مؤكدًا أن «الإدارة الأميركية تساعد بيروت على ترسيخ حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية».
بهذه العبارات، أنهى ترامب مرحلة الغموض وفتح صفحة جديدة في العلاقة الأميركية – اللبنانية، عنوانها دعم الدولة والمؤسسات لا القوى الموازية لها. وجاء تصريحه متزامنًا مع إعلان حزمة دعم أميركية بقيمة 230 مليون دولار مخصّصة للجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، في خطوة تعكس ثقة متجدّدة بقدرة المؤسسة العسكرية على فرض سيادة الدولة وتنفيذ القرار الدولي 1701.
الرئيس عون، الذي جعل من حصرية السلاح محورًا أساسيًا في مشروعه الرئاسي، أكّد أكثر من مرة أن عام 2025 سيكون عام الدولة القوية التي تحتكر السلاح ضمن مؤسساتها الشرعية، بعيدًا عن الانقسام أو التصادم الداخلي. وفي مقابلة شاملة مع العربي الجديد، شدّد على أن المسار ليس مواجهة داخلية بل مسار وطني إصلاحي يهدف إلى إعادة تعريف مفهوم المقاومة من العمل الفصائلي إلى الدفاع الشرعي عبر الدولة.
لكن نجاح هذا المسار يبقى مشروطًا بعاملين رئيسيين:
أولًا، التزام إسرائيل الكامل بالقرار 1701، الذي ينص على الانسحاب من «النقاط الخمس» شمال الخط الأزرق ووقف الخروق الجوية المتكرّرة؛ وثانيًا، قدرة الجيش اللبناني على الانتشار الفعلي جنوب الليطاني وتثبيت سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية. فحصرية السلاح لا تكتمل دون إنهاء الخروقات الإسرائيلية وضمان مظلة دولية تحمي القرار السيادي اللبناني.
القرار 1701 الذي شكّل منذ عام 2006 مرجعًا لوقف النار، يعود اليوم كإطار قانوني لإعادة ترسيم التوازن في الجنوب. وقد جدّد مجلس الأمن في آب 2025 ولاية «اليونيفيل» حتى نهاية 2026 «للمرة الأخيرة»، في إشارة إلى ضرورة تمكين الجيش من تولي كامل المسؤولية الأمنية. إنها فرصة تاريخية للبنان كي يتحوّل من بلدٍ مُراقَب إلى دولةٍ تمسك بمصيرها الأمني.
وفي هذا السياق، يرسم الرئيس عون خريطة ردع جديدة تعتمد على خمس دوائر متكاملة:
1. ردع قانوني ودولي: من خلال تطبيق القرار 1701 بكامل بنوده ومحاسبة أي خروقات.
2. ردع مؤسّساتي: يقوم على الجيش كقوة وحيدة شرعية، مدعومة من المجتمع الدولي والعربي.
3. ردع ديبلوماسي: عبر لجنة متابعة ثلاثية (لبنان – الولايات المتحدة – الأمم المتحدة) تربط الدعم المالي بالتنفيذ الفعلي للقرارات الدولية.
4. ردع ميداني منضبط: يمنع أي إطلاق نار خارج قرار الدولة ويحصر قرار الحرب والسلم بالمؤسسات الشرعية.
5. ردع إنساني وأخلاقي: يوثّق الانتهاكات الإسرائيلية ويُعرّيها أمام الرأي العام العالمي، مما يجعل أي عدوان مكلفًا سياسيًا وأخلاقيًا لتل أبيب.
هذه المعادلة الجديدة تنقل لبنان من منطق الردع الفوضوي إلى الردع المؤسسي، ومن ردّ الفعل العسكري إلى المبادرة الدبلوماسية المدعومة بالشرعية والقانون. فالرئيس عون لا يسعى إلى تجريد لبنان من قدرته الدفاعية، بل إلى تحويلها من «سلاح عابر للطوائف» إلى قوة وطنية جامعة تحمي الحدود وتمنع العدوان ضمن سلطة الدولة وحدها.
وتكشف مصادر سياسية أن الخطوات التنفيذية المقبلة ستشمل:
• تعزيز انتشار الجيش جنوب الليطاني ورفع عدد النقاط العسكرية بنسبة 25%.
• إطلاق مفاوضات لترسيم النقاط الحدودية المتبقية في مزارع شبعا وكفرشوبا وغجر.
• تشكيل لجنة وطنية دائمة لـ«الاستراتيجية الدفاعية» برعاية الرئاسة.
• ربط أي مساعدات مالية جديدة بخطة حصرية السلاح وتطبيق القرار 1701.
سياسيًا، يُعتبر خطاب ترامب نقطة تحوّل في النظرة الأميركية إلى لبنان والرئيس عون تحديدًا. فبعد أن رُوّج إعلاميًا لوجود فتور أو تحفظ أميركي على سياسات عون الداخلية، جاءت كلماته لتؤكد أن الرئيس اللبناني يحظى بدعم مباشر من واشنطن، وأن مسار «الدولة الواحدة والجيش الواحد» هو ما تراه الولايات المتحدة الطريق الوحيد لاستقرار لبنان واستعادة سيادته.
إنّ نجاح هذه الخطة لا يقتصر على بعدها الأمني فحسب، بل يفتح الباب أمام نهضة اقتصادية ودبلوماسية جديدة. فلبنان الذي يثبت أنّه قادر على ضبط سلاحه وتنفيذ قرارات الأمم المتحدة يصبح أكثر جذبًا للاستثمار والمساعدات، وأكثر قدرة على استعادة موقعه في الخارطة العربية والدولية.
في النهاية، لم تعد معركة لبنان مع إسرائيل معركة صواريخ أو خنادق، بل معركة شرعية وسيادة. إشادة ترامب بجوزيف عون لم تكن مجاملة ديبلوماسية بل تفويضًا ضمنيًا بدعم مسار الدولة. وإذا تمكّن عون من ترجمة هذا الدعم بخطوات تنفيذية واقعية، فسيُسجَّل اسمه في التاريخ كالرئيس الذي أعاد للبنان هيبته، ووضع حدًّا نهائيًا لفكرة “الدولة داخل الدولة”، وفتح أمام اللبنانيين بابًا جديدًا نحو السلام بالقوة القانونية، لا بالسلاح المنفلت.