
المؤرخ محمد صلاح
في خطوة وُصفت بالزلزال السياسي والأمني، أقدمت إسرائيل على استهداف عدد من أبرز قادة حركة “حماس” في العاصمة القطرية الدوحة، حيث طالت العملية شخصيات قيادية وازنة في المكتب السياسي للحركة، من بينهم خالد مشعل، موسى أبو مرزوق، خليل الحية، حسام بدران، نزار عوض الله، محمد درويش، وزاهر جبارين.
أولاً: دلالات التوقيت
جاءت هذه العملية في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، حيث تستمر الحرب على غزة منذ أشهر، ومعها يتصاعد الضغط الشعبي والسياسي على إسرائيل داخلياً وخارجياً. التوقيت يكشف أن تل أبيب أرادت أن ترسل رسالة مزدوجة:
1. إلى الداخل الإسرائيلي بأنها قادرة على مطاردة قادة المقاومة حتى خارج فلسطين.
2. إلى حماس بأن لا مكان آمن لقياداتها، حتى في عواصم تُعتبر داعمة أو ضامنة مثل الدوحة.
ثانياً: الدلالات السياسية
الاستهداف لم يكن مجرد ضربة عسكرية، بل هو تحدٍّ سياسي مباشر لقطر التي تستضيف قيادة حماس منذ سنوات، وتلعب دور الوسيط بين الحركة وإسرائيل في ملفات التهدئة والصفقات الإنسانية. هذه العملية تمثل إحراجاً كبيراً للدوحة أمام الرأي العام العربي والدولي، وقد تدفعها لإعادة النظر في شكل علاقتها مع الحركة.
ثالثاً: انعكاسات على مسار الحرب
1. على حماس: العملية قد تربك القيادة السياسية للحركة، لكنها في الوقت ذاته قد تُعطيها زخماً شعبياً أكبر، إذ ستُقدَّم على أنها “تدفع ثمن تمسكها بالمقاومة”.
2. على إسرائيل: رغم نجاحها في توجيه ضربة معنوية، إلا أن مثل هذه العمليات لا تنهي حضور حماس السياسي أو العسكري، بل غالباً ما تزيد من حدة المواجهة وتعقيد أي مسار تفاوضي قادم.
3. على الوساطات: أي جهود للتهدئة أو صفقات تبادل أسرى ستتعقد أكثر، لأن حماس ستعتبر أن إسرائيل خرقت كل قواعد اللعبة.
رابعاً: البعد الإقليمي والدولي
العملية ستفتح باباً جديداً للنقاش حول “أمن العواصم العربية”، وحول مدى اختراق إسرائيل لهذه العواصم استخباراتياً. كما ستثير أسئلة عن موقف الولايات المتحدة والدول الأوروبية، وهل ستعتبر ذلك “حقاً لإسرائيل في الدفاع عن نفسها”، أم انتهاكاً صارخاً للسيادة القطرية؟
خامساً: رسالة إلى العرب
ما جرى في الدوحة ليس مجرد استهداف لقادة حماس، بل هو رسالة إلى العرب جميعاً: إسرائيل اليوم لم تعد تخشى أحداً، لا عاصمة عربية ولا نظاماً سياسياً، بل تضرب حيث تشاء ومتى تشاء. وهذا أخطر ما في المشهد.
لقد حان الوقت أن يدرك العرب قيمة وأهمية وجود جيش مصر القوي، باعتباره الجيش الوحيد في المنطقة القادر على ردع أي اعتداء وحماية الأمن القومي العربي. فكل التجارب أثبتت أن غياب قوة رادعة وموحدة يفتح الباب أمام إسرائيل لتتمادى في انتهاكاتها، دون خوف أو حساب.
استهداف قادة حماس في الدوحة ليس مجرد عملية اغتيال، بل هو حدث استراتيجي سيعيد تشكيل معادلات كثيرة في المنطقة: من طبيعة وجود الحركة في الخارج، إلى دور الوسطاء الإقليميين، وصولاً إلى حسابات المقاومة وإسرائيل معاً.
والرسالة الأوضح: إسرائيل لم تعد تخاف من أحد، وإن لم يستفق العرب ويعيدوا حساباتهم، فإن القادم سيكون أعنف وأشد خطراً على الجميع



