إعادة تأهيل ملاعب قصقص…تأخير تقني أم توقف فعلي؟

في قلب العاصمة بيروت، وتحديدًا في منطقة قصقص، تقف الملاعب الشهيرة التي تحمل اسم الحيّ شاهدةً على تاريخ طويل من النشاط الرياضي والاجتماعي، إذ شكّلت لعقود متنفسًا حقيقيًا لشباب المدينة وعائلاتها، ومركزًا جامعًا لمحبي الرياضة على اختلاف هواياتهم. فـ”ملاعب قصقص”، التي تتوزع على عدة أقسام رياضية، قدّمت خدمات كبيرة لأبناء بيروت، وجسّدت نموذجًا فريدًا لمساحات عامة متاحة مجانًا أمام الجميع، تجمع بين الرياضة والترفيه والانتماء للمدينة.
في السابق، أُعلن عن إطلاق مشروع صيانة وتأهيل شامل لهذه الملاعب، في خطوة طال انتظارها من الأهالي والشباب البيروتي الذين رأوا فيها بارقة أمل لإحياء واحد من آخر المتنفسات العامة في العاصمة. كان المشروع يهدف إلى إعادة تأهيل الأرضيات لتكون صالحة للعب، وترميم الأسوار والإضاءة، وتحسين البنية التحتية لتواكب المعايير الرياضية الحديثة.
غير أن الصورة تغيّرت اليوم، إذ تحوّل المشروع المنتظر إلى موضع جدل واسع، بعدما توقفت الأعمال بشكل مفاجئ، وبدت الملاعب وكأنها “خرابة مهجورة”، ما أثار تساؤلات عديدة بين السكان والناشطين: لماذا توقفت أعمال التأهيل؟ ومن المسؤول عن هذا الجمود؟ وهل ستعود الحياة مجددًا إلى هذا المرفق الحيوي الذي لطالما مثّل نبض العاصمة الشبابي؟
عباس: المشروع يُسرق
أكد الناشط الحقوقي المحامي علي عباس في حديثٍ لموقع “لبنان الكبير” أنّ مشروع إعادة تأهيل ملاعب قصقص يعيش حالة من الشلل الكامل، بعدما توقّف العمل فيه بشكل مفاجئ ودون مبرّر واضح، ما حرم شباب العاصمة من متنفس رياضي طال انتظاره.
وقال عباس: “القصة بدأت عندما تقدّم أحد المتعهّدين بعرض أقل بكثير من القيمة الحقيقية للمشروع، ففاز بالمناقصة، لكنّ الشركة الألمانية المموّلة لم توافق على المبلغ لأنه غير منطقي، وطالبت برفع القيمة لتتناسب مع حجم الأعمال المطلوبة”.
وأضاف: “منذ ذلك الحين، الأمور معلّقة. لا المشروع نُفّذ، ولا الملاعب بقيت كما كانت. اليوم الملعب لا معلّق ولا مطلّق”.
وأشار إلى أنّ العمل توقّف نهائيًا منذ فترة، فيما بدأت تظهر عمليات سرقة للرمل الزراعي من داخل الموقع، قائلاً: “نشرتُ فيديوهات وصورًا تُظهر كيف كانت الشاحنات الصغيرة تنقل كميات من الرمل الزراعي، ثم تطوّر الأمر إلى استخدام شاحنات كبيرة تُفرغ الحمولة في أماكن مجهولة، من دون أي تدخل من الجهات المعنية”.
وختم عباس بالقول: “للأسف، بعض المشاريع في بيروت تُدار بعقلية الربح الشخصي لا بالمصلحة العامة، وملاعب قصقص خير دليل على ذلك”.
فتحة: المشروع لم يتوقف… ولا سرقات
يأتي ردّ الرئيس السابق للجنة التخطيط والأشغال في مجلس بلدية بيروت، المهندس محمد سعيد فتحة، لينفي هذه المزاعم بشكل قاطع، مؤكّدًا في حديث لـ”لبنان الكبير” أنّ أعمال تأهيل ملاعب قصقص لم تتوقف إطلاقًا، وأن ما يُشاع عن “سرقة التراب” أو توقف الورشة بشكل نهائي “عارٍ عن الصحة تمامًا”.
وقال فتحة: “الموضوع صار جدًّا بالنسبة لأهالي بيروت، فملاعب قصقص تُعد متنفسًا أساسيًا للشباب ومكانًا يُعزز الحياة الرياضية والاجتماعية في العاصمة، لكن المشروع توقّف لفترة وجيزة لأسباب تقنية لا أكثر، وليس كما يُشاع عن مشاكل أو مخالفات”.
وأوضح أنّ فكرة المشروع انطلقت منذ سنوات بالتعاون مع مكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع (UNOPS) وبدعمٍ من البنك الألماني للتنمية (KfW)، ضمن خطة بلدية لإحياء المساحات العامة في العاصمة.
وأشار إلى أنّ التنفيذ بدأ فعليًا وتمّ تسليم الموقع إلى شركة NCC، وهي من أبرز الشركات المتخصّصة في هذا المجال، موضحًا أن “بعض التأخير الحاصل مردّه إلى استيراد مواد معينة من الخارج، ولا علاقة له بأي تعطيل إداري أو مالي”.
وحول الحديث عن سرقة الرمال، ردّ فتحة بحزم: “هذا الكلام غير صحيح إطلاقًا، أرض الملاعب مسطّحة ولا تحتوي على أي مواد يمكن نقلها أو بيعها، وكل ما يُزال هو الباطون القديم لاستبداله بآخر جديد. الحديث عن سرقة التراب من أرض مستوية أمر غير منطقي هندسيًا”.
وختم مؤكّدًا أن “المشروع قائم ويتقدّم خطوة بخطوة، والتأخير بسيط فقط لأسباب تقنية، وستُفتتح الملاعب قريبًا أمام أبناء العاصمة”.
معلومات المقاول تحسم الجدل
وفي موازاة تضارب المواقف، علم موقع “لبنان الكبير” من المقاول المسؤول عن تنفيذ المشروع، المهندس ديب شرانة، أنّ التوقف الحاصل في الورشة هو مؤقت فقط، ويعود إلى تعديلات هندسية طفيفة اكتُشفت بعد المباشرة بأعمال الحفر وكسر الأرضيات.
وبحسب المعلومات، تبيّن وجود فروقات بسيطة بين الخرائط الأصلية والواقع الميداني، ما استدعى من الفريق الهندسي إعادة دراسة بعض التفاصيل الفنية لتتوافق مع المعايير الصحيحة. وأوضحت المصادر أن العمل سيُستأنف خلال الأيام القليلة المقبلة فور الانتهاء من تحديث الخرائط والموافقة عليها من الجهات المختصة.
وأكدت المعطيات أن الشركة المنفّذة ملتزمة بإنجاز المشروع وفق المواصفات المطلوبة، وأن التوقف الحالي “لا يتجاوز كونه إجراءً فنيًا احترازيًا لضمان دقة التنفيذ وجودة النتائج”، وليس نتيجة أي خلاف مالي أو إداري.
المصدر: لبنان الكبير
