
د. ليون سيوفي – باحث وكاتب سياسي
لبنانُ يوافقُ على مقترحِ أورتاغوس بضمِّ مدنيّين إلى لجنةِ وقفِ النّار…
فأصبحت هذه السّاحةُ السياسيّةُ تشهدُ صراعاً مستتراً بين المدنيّين والعسكريّين، يبدو في ظاهره خلافاً على السّلطة، لكنّه في جوهره صراعٌ على مفهومِ الدّولةِ نفسها.
فالمدنيّ يرى أنّ القرارَ يجب أن يكونَ في يدِ المؤسّساتِ المنتخبة، وأنّ الجيشَ يُنفّذُ ولا يحكم، فيما يرى العسكريّ أنّه الضّامنُ الأخيرُ للاستقرار، والحامي الحقيقيّ للدّولةِ حينَ تفشلُ السياسة.
هذا التّباينُ في الرؤى جعلَ المفاوضاتِ بين الطرفين تدورُ في حلقةٍ مفرغةٍ، لأنّ الخلافَ لا يقومُ على الأشخاصِ أو الصلاحيّات، بل على الهويّةِ الوطنيّةِ وحدودِ الولاءِ. فحينَ يشعرُ كلّ طرفٍ بأنّ الآخرَ يسعى لانتزاعِ دورِه، تضيعُ لغةُ التفاهم، وتُستبدلُ بالشكّ والاتّهام.
لكن ثمّةَ حقيقةً لا مفرّ منها… لا يربحُ أحدٌ في هذا الصراع.
فالمدنيّ يفقدُ شرعيّتَه حينَ يصطدمُ بالمؤسّسةِ العسكريّة، والعسكريّ يفقدُ دورَه حينَ يدخلُ لعبةَ السياسة. ومن هنا، لا يبقى سوى خيارٍ واحدٍ يمكن أن يوقفَ النزيفَ ويعيدَ التوازن…
إنّه الحياد.
فالحيادُ ليس ترفاً سياسيّاً، بل خلاصاً وطنيّاً.
هو الطريقُ الوحيدُ الذي يُعيدُ للدّولةِ استقلالَ قرارِها، وللجيشِ هيبتَه، وللمجتمعِ طمأنينتَه. فحينَ تتخلّى الدّولةُ عن منطقِ المحاور، وتُعلنُ التزامَها الصّريحَ بعدمِ الانخراطِ في صراعاتِ الآخرين، ترتاحُ كلُّ الأطرافِ داخليّاً وخارجيّاً، لأنّ الجميعَ يجدُ نفسَه في مساحةِ أمانٍ مشتركة.
لكنّ العقبةَ الكبرى تبقى في مكانٍ واحد…
هل تملكُ الحكومةُ الجرأةَ لتبنّي الحيادِ الفعليّ لا الشعاراتيّ؟
فالحيادُ لا يُكتبُ ببيانٍ وزاريّ، ولا يُعلَنُ بمؤتمرٍ صحفيّ، بل يُترجَمُ بإجماعٍ داخليّ وضماناتٍ خارجيّةٍ تجعلُ من لبنانَ دولةً لا تتورّطُ ولا تُستدرج.
إنّ نجاحَ المفاوضاتِ بين المدنيّ والعسكريّ مرهونٌ بإعلانِ هذا المبدأ، لأنّ الحيادَ وحدَه يطمئنُ الطرفين…
فالعسكريّ لا يخشى على الأمن، والمدنيّ لا يخشى على السيادة.
وحينَ يرتاحُ الاثنان، ترتاحُ الدّولةُ بأسرِها…



