البعثةُ الأميركية وإحصاءُ الحمير
الوزير السابق جوزف الهاشم
الأحداث الصاخبة المتلاحقة التي تكرّر نفسَها ، يصبح معها الكلام السياسي المباشر الذي يكـرّر نفسه مادةً استهلاكية فاقدةَ الجدوى .
ولا بـدّ إذ ذاك من اللّجـوء إلى الرموز وشواهد التاريخ لعلّها تستقطب اجتذاب العقول ، فنقول :
في الأربعينات أرسلتِ الولايات المتحدة بعثـةً تحمل إسم “النقطة الرابعة” لتطوير الزراعة في لبنان ، وقد أنفقتْ بالـغَ الأموال في إجـراء الإحصاءات المتعلّقة بالشأن الزراعي ، وجاء في تقريرها الإحصائي : أنَّ عدد الحمير يناهز الستين ألف حمار ، وفي ذلك قال أديب حداد “أبو ملحم” .
ستين ألف حمار هالمبلغ كبيرْ يمكن يكون غلطان في حسابو الخبيرْ
لمّـا بدا يعدّ الرجال يمكن يكون تغلبط ببعض الناس خمّنَهْـمْ حمير(1).
لا تزال الولايات المتحدة تُرسل إلى لبنان وغير لبنان ، غيرَ “نقطة رابعة” ، ولا يزال عدد الإحصاءات عندنا وعند غيرنا على ازدياد ، لأنّ الحمير الصامتة أبلغ من الحمير الناطقة .
لا تؤاخذونا … ليس في الموضوع إسفافٌ ، أو خروجٌ على المألوف ، وليس في الأمر انتقاصٌ من قـدر هذه المخلوقات البريئة التي تؤمّن بالمشقّة والكدْح خدماتٍ وفيرة للإنسان من دون أنْ تحظى بالمدح .
في ظروف مماثـلة ، بعض أدباء الثورة الفرنسية عمَّمـوا أفكارهم التحرُّرية على أَلسنةِ البهائم خوفاً من بطش الملك ، وعلى ألسنتها أطلق “إبن المقفّع” في كتاب “كليلة ودمنة” بدائع الأمثال والحِكَم ، وما ينطبق على الحيوان ، ينطبق أيضاً على الإنسان ، والإنسان كما قيل هو حيوانٌ ناطق .
“النقطة الرابعة” : اكتفت بإجراء إحصاء عدَدي من دون أن تكتشف ما كان للحمير من جليل الفضائل في شتّى حقبات التاريخ .
هناك الحمار الكهنوتي الذي حمل المسيح إلى أورشليم …
وهناك الحمار الحزبي الذي اتَّـخذه الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة شعاراً لـه …
وهناك الحمار الوزير في قصيدة أحمد شوقي : “الأسد ووزيره الحمار” .
وهناك الحمار القائد : لأن سائق الحمار هو أيضاً ينقادُ بذنَبِ الحمار .
وهناك الحمار الحربي الذي اعتمده شمشون الجبّار حين تسلّح بفكّ حمار لمقاومة أعدائه …
وفي حكاية الشاعر الفرنسي “لافونتين” : الطحّان وإبنُـه والحمار” ، لم يكن أكثـرَ الثلاثة حمرنـةً منْ نعتقد أنّـه الحمار .
ولو شئنا أنْ نذهب أكثر في المشاهد لكانت هناك شواهد كثيرة تبيّن ما للحمير من فضلٍ على مسيرة الإنسان ، بما يفوق فضلَ الإنسان على الإنسان .
سواءٌ كان هذا الإحصاء الذي أجرتْـهُ “النقطة الرابعة” قد ازدادا عدداً أو انخفض نقصاناً ، إلاّ أننا منذ الأربعينات حتى اليوم ، لا نزال نقع في “حال النقطة” الأميركية الرابعة .
ولكنّ هذا الإحصاء الأميركي لا ينطبق على اللبنانيين المنتشرين في أميركا وسائر القارات ، فهم يساهمون في بناء دول الآخرين ، ويرفعون من شأن حكوماتها ومؤسساتها ، وهم الذين يتولّون فيها الإحصاءات .
ليس في الغرب عباقرة ونحن أغبياء ، لـوْ لـمْ نسمح للنقطة الرابعة بإحصاء الحمير عندنا …
هم يدعمون الفاشل حتى ينجح …
ونحن نحارب الناجح حتى يفشل …
هو يرسلون إلينا المصائب ، ونحن نرسل إليهم المواهب .
ويبقى الأهمّ – من دون الخوض في الإحصاءات الدموية – أن نهتدي إلى إنقاذ ذلك اللبنان النموذجيّ الخلاّق الذي يجسّد طموح أبنائه ، مخافة أنْ تذهب منه المواهب مع حمارِ أمِّ عمرو :
لقدْ ذهبَ الحمارُ بأمِّ عمروٍ فلا رجعتْ ولا رجعَ الحمارُ .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 – المؤتمر الأول للثقافة الشعبية في لبنان : سلام الراسي – ص. 36 .
عن جريدة الجمهورية : 4/4/2025