نتنياهو على باب المندب ومسؤولية طهران بين الرياض والحوثيين

عاصفة عسكرية واقتصادية واجتماعية تجتاح منطقة الشرق الأوسط والخاسر فيها دول المنطقة وشعوبها. وأما المستفيد الوحيد منها لو استمرت وتواصلت فهو اسرائيل.
نزيف أميركي اقتصادي ومالي ونفطي وبحري وجوي يزامنه نزيف ايراني مشابه بفعل الحصار البحري وسياسات العقوبات وأيضا نزيف سعودي نفطي بفعل ضرب خطوط الأنابيب النفطية البرية شرق-غرب. وبفعل الحرب مع الحوثيين وإغلاق ممر باب المندب.
أما الظاهرة الجديدة فهي تمدد اسرائيل أكثر فأكثر من باب المندب عبر وجود لها في الصومال مسنود من القوة العسكرية الجديدة في الصومال التي تقف وراءها. والاحتمال الأرجح هو في مواجهة محتملة عسكرية بين اسرائيل والحوثيين عبر الصومال ترمي تل أبيب من خلالها إلى إغلاق ممر باب المندب بهدف الضغط على المملكة العربية السعودية بهدف تسريع توقيع ’’الاتفاق الابراهيمي‘‘ من خارج ربطه بإقامة الدولة الفلسطينية بعاصمتها القدس الشرقية ووقف المستوطنات وفقا لشروط المملكة التي التزمت بها بالاتفاق مع واشنطن. ففي الصومال يشترك كل من الحوثيين واسرائيل بحلفاء: اسرائيل مع القوة العسكرية الصومالية الجديدة والحوثيون مع حركة الشباب الصومالي. وكل ذلك يستتبع إغلاق باب المندب المتضرر فيه هو الدول الخليجية وتحديدا المملكة العربية السعودية ومعها المردود المالي لمصر عبر قناة السويس. وكل ذلك يفترض تهدئة جبهة اليمن والنزاع مع السعودية. وهنا يكمن الدور الجوهري لطهران التي عمليا لها مصلحة في تطبيع العلاقات بين الرياض وصنعاء وخصوصا وأنه في التوجه العميق لولي العهد السعودي لا تشكّل اليمن أولوية له بل مصلحته البعيدة هي في ’’تبريد‘‘ الأجواء. لكن قبل كل ذلك هناك حاجة موضوعية لتطبيع حقيقي في العلاقات بين الجمهورية الاسلامية في ايران وبين المملكة العربية السعودية. ومثل هذا ’’التطبيع‘‘ لا يمكن أن تقوم به الولايات المتحدة الأميركية ولا سعاة البريد وإنما شركاء في شبكات أمان فعلية لكل من طهران والرياض. وهؤلاء الشركاء يتمثلون أساسا في الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جين بينغ وأيضا في مجموعة دول البريكس ومؤتمر شنغهاي وبحدود معيّنة بباكستان وتركيا.
واقع الحال لا مصلحة ايرانية بتاتا لايران باقتراب اسرائيل عبر الصومال من مضيق باب المندب ولا من اليمن ولا من المملكة العربية السعودية. فاسرائيل لا زالت تطمح بأن تكون الشريك الفاعل للولايات المتحدة الأميركية وتستفيد من الإرباك الأميركي في معالجة مضيق هرمز ومن رفض الكثير من الدول على مستوى العالم بالإستجابة لمطالب واشنطن في المشاركة بممارسة الضغوط على ايران.
وأما الإندفاعة العسكرية الاسرائيلية باتجاه باب المندب وغيره فهي بلا حدود قبل الانتخابات الاسرائيلية. فـ’’ورقة الحروب‘‘ هي ورقة رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو في الانتخابات الاسرائيلية وهذه ’’الورقة‘‘ يترجمها إلى تصعيد في الجنوب اللبناني وفي سوريا وفي غزة والضفة الغربية وإلى توسيع المستوطنات. وهو يعرف أن واشنطن لا تستطيع أن تلجمه في الوقت الراهن. وإنما تكتفي بطمأنة الآخرين بأن كلمتها ستقولها بعد الانتخابات الاسرائيلية لا قبلها كما هو الحال مع لبنان وسوريا.
أيا يكن الأمر أحد مفاتيح الأمور حاليا هو في يد طهران التي ينبغي أن تكون حساباتها دقيقة. فهي أحسنت الرهان على عامل الوقت وعلى الصمود وفي حصار السوق النفطي واستنزاف الاحتياطات العالمية منه بما فيها الأميركية. كما استنزاف تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومعه إلى حد بعيد صواريخ باتريوت.
والمقصود بمفاتيح الأمور الايرانية هو أن لا يتحوّل الاستنزاف النفطي والاقتصادي في الأسواق العالمية إلى استنزاف المنطقة وثرواتها عبر حروب جانبية وفي تفكيك روابطها. وهنا مسؤولية طهران أولا وأخيرا في كيفية صياغة علاقات مطمئنة مع جيرانها الخليجيين وغير الخليجيين وفي استثمار توجه روسيا والصين نحو تعددية قطبية وفي كون الداخل الأميركي يعترض على الحرب الأميركية على ايران. وفي كون الرئيس الأميركي يبحث عن مخرج للحرب غير مُحرج له.
عبد الهادي محفوظ



