
كلنا يعلم، ان بناء الدولة بدأ في المدن الفينيقية واليونانية حيث تمّ التدوين لأوّل مرّة في تاريخ البشرية بسبب ابتكار الأبجدية. وأوّل أسس البناء ارتكز على مقولات الحق والخير والجمال ضد السفسطائيين الذين آثرو حكم المال والسلطة واللّذّة بشكل غير متوازن. ومع تطوّر الشعوب أصبح لدينا السلطات التشريعيّة والتنفيذيّة والقضائيّة والإعلاميّة التي تساعد على إرساء الإستقرار والديموقراطيّة والتطوّر والسيادة.
غير أنّ ما طالعنا في النصف القرن الأخير إشكاليّة العولمة بخطيها الإقتصادي والإنساني، بحيث نرى جموحاً نحو الإقتصاد المعولم الذي يعتمد على إضعاف الدول واستعمار الشعوب والسطو على مدّخراتها.
ويقيننا أنّ العولمة الإقتصاديّة هي وليدة الفكر الليبرالي القائم على الفلسفة البرغماتيّة المنبثقة من الفلسفة الماديّة التي أسقطت الأبعاد الأخلاقيّة والروحيّة والمثاليّة والتي تعمل على تشويه الأديان من خلال زرع الوثنية والتعصّب والإنفلاق وعدم قبول الآخر والإبتعاد عن المواطنة والأبعاد المدنية لقيام المجتمعات الحرّة. إنّها فلسفة مادية غرائزيّة تستخدم جميع الوسائل الحديثة من أجل استغلال الشعوب وردّها إلى جماعات هائمة على وجهها، لاهثةً وراء الإستهلاك المادي. وقد نَمَّت هذه الروح الفساد على أنواعه واستباحت المحرَّمات ودفعت نحو الرّذيلة والجريمة والتفكّك الفردي والعائلي والإجتماعي.
كما تعتمد العولمة الإقتصاديّة على إشعال الحروب وتفتيت المجتمعات وتفكيك الدول وبعث مفاهيم الغزو البربري وإضعاف الحكومات والإطاحة بالدساتير وتعيين الحكّام المأجورين الذين ينفّذون مآربها.
يقول جايمس غولبريت في كتابه:” الدولة القاضمة” والذي كان مستشاراً لعدّة عهود في البيت الأبيض. لم تعد الشركات تهتم بتصريف إنتاجها في الأسواق العالمية ولكن همّها اقتصر على معرفة أين توجد الطاقات في مختلف أصقاع الأرض بهدف الإنقضاض والإستيلاء عليها عن طريق إستعمال القوّة العسكريّة لتحقيق أهدافها.
ولبنان الذي عانى من الحروب المتمادية في إضعافه، يُخشى أن يتعرّض أيضاً لهذه العولمة الإقتصاديّة وبخاصّة أنّ اكتشاف الغاز والنفط فتح شهيّة شركات العولمة…
لذلك نرى مع فخامة رئيس الجمهوريّة العماد جوزف عون ووفق خطاب القسم الهادف إلى بناء الدولة، أنّه علينا التنبّه كي لا تضع شركات العولمة يدها على لبنان من خلال الخصخصة والبنك الدولي المتطرّف في طروحاته.
ولمنع تحقيق ذلك علينا وضع أسس لعولمة إنسانيّة نطبق تعاليمها: عولمة مبنيّة على الأخلاق والقيم وتعتمد التكامل بين الشعوب والدول على أسس سليمة ومتوازنة وحقيقيّة. ولا تستقيم هذه الفلسفة إلا إذا توفّر الوعي القومي لكل شعب ولكل عرق. وإذا لم يتم تثقيف كل فرد عن طريق اعترافه يالآخر، وبأنّه مساوٍ له وأنّ الإنسان الآخر هو غنى له وامتداد لوجوده وبإمكانه التّكامل معه. وهذا الوعي لا يستقيم إلّا إذا أخذ الفرد زمام المبادرة، ومنع أيّة قوّة خارجيّة النيل من طاقاته البشريّة الطبيعيّة: فلا سرقة للطاقات البشريّة، ولا سطو على الغاز والنفط، وسائر المعادن الثمينة، بل قيام التبادل التجاري والإقتصادي وفق مقاييس عالميّة وموضوعيّة. ويكمن الحل العملي بإنشاء شركات إقتصاديّة كبيرة ووطنيّة يمكنها التفاعل والتكامل مع شركات العولمة الكبرى بحيث يكون لنا هويّة إقتصاديّة تملي علينا ثقافة وطنيّة. ولتحقيق ذلك علينا تحويل جامعاتنا إلى مراكز بحثية تخدم الإنتاج الوطني والقومي وتدفع إلى بناء صناعات منتجة تقوّي الشركات الوطنيّة وتسمح لها الوصول إلى أسواق عالميّة جديدة لتصريف إنتاجنا الزراعي والحرفي وحتّى في البرمجة والعلوم الرقميّة.
تجاه هذا الواقع
نجد قاعدة جدليّة قائمة بين بناء الدولة والعولمة، نعبّر عنها بالتالي:
” إذا ضعفت الدولة تقوى شركات العولمة وتستعمرنا… وإذا قويت الدولة، تتحجَّم شركات العولمة”.
أمّا البعد الفكري والفلسفي إنّما يقوم على فلسفات التكامل المُفضية إلى خلق إنسان ينزع وفق هايدغر إلى الحرية الساعية إلى تحقيق كرامة الإنسان”. لذلك علينا العمل الجاد كي نبني دولة لبنان على الخير العام وأن نتعلّق بالدستور والقوانين والشرائع ونقوي القضاء ونسهر على الإعلام ونبني جيشاً مرهوب الجانب لا تهزّه العواصف.
وبالخلاصة نقول: إنّ عودة الحياة إلى لبنان تشبه العَوْد الأبدي عند نيتشه الذي يتمتّع بإرادة تجعله ينبعث من جديد، وذلك من أجل تأمين الصيرورة المتجدّدة والهادفة إلى تحقيحق الكمال على مختلف الصعد، لأنّ البشر لديهم رسالة وعليهم العمل على تحقيقها وهي تتجلّى في الإبتكارات على أنواعها.
ولتحقيق ما نصبو إليه علينا واجب خلق حاضنة إجتماعيّة وثقافيّة لمؤازرة الرئيس على بناء الدولة القويّة والعادلة والتي قاعدتها العلم والحريّة.
عشتم وعاشت طرابلس وعاش لبنان.
الأمين العام للإتحاد الفلسفي العربي
د.ريمون غوش
10-7-2025


