عون لا يتراجع عن مبادرته وضغوط خارجية لضمّ مفاوض شيعي.. فرنسا ترسل وزير خارجيتها إلى بيروت

مجمل المعطيات السياسية والديبلوماسية المحلية والخارجية ساهمت في رسم إطار التعقيدات والصعوبات التي تستبعد أي اختراق ديبلوماسي، في وقت يتقدم فيه بقوة الخيار الميداني العسكري نحو مرحلة أشدّ ضراوة.
ويرجح أن تُعرض هذه التعقيدات في المشاورات المغلقة التي سيجريها مجلس الأمن اليوم الثلاثاء في شأن تقرير الأمين العام للامم المتحدة انطونيو غوتيريش حول تنفيذ القرار 1701. ومن المتوقع أن تقدم المنسقة الخاصة لشؤون لبنان، جانين هينيس-بلاسخارت، ووكيل الأمين العام لعمليات السلام، جان بيير لاكروا، إحاطة إعلامية، علماً أن غوتيريش زار بيروت في الأيام الماضية ودعا إلى وقف الحرب والتزام “حزب الله” قرارات الحكومة اللبنانية.
وفي السياق، ارتسمت ظلال سوداية حيال المشاورات الجارية محلياً في ظل المراوحة التي تطبع الوضع الميداني، كما الجهود الديبلوماسية المتصلة بمبادرة رئيس الجمهورية جوزف عون وملف التفاوض مع إسرائيل.
وكتبت” النهار”:بدا من الواضح أمس، مع طيّ الحرب الناشئة بين إسرائيل و”حزب الله” أسبوعها الثاني، أن سقوط الرهانات على مفاوضات مبكرة قد تلجم التصعيد الأوسع، قد بات أمراً مسلّماً به بعدما أعلنت إسرائيل رسمياً، ولو بلسان وزير دفاعها وجيشها، بدء العملية البريّة في جنوب لبنان. ومع أن التوغّل الإسرائيلي اختلف حتى اللحظة عن السوابق التي اجتاحت فيها إسرائيل الجنوب ومناطق لبنانية أخرى، فإن الغزو المتدحرج الذي تعتمده القيادة العسكرية الإسرائيلية هذه المرة لا يختلف في التحشيد الضخم للقوى، إذ قدِّر حجم هذه القوى عند الحدود مع لبنان وتلك التي توغّلت إلى نقاط حدودية داخل الجنوب بخمس فرق حتى الآن.
وتبيّن أن الزيارتين اللتين قام بهما أمس السفيران الفرنسي والأميركي لعين التينة لم تسفرا عن أي حلحلة في الملف التفاوضي، في ظل تمسّك الرئيس نبيه بري برفض الثنائي الشيعي للمفاوضات قبل وقف النار وتعويم اتفاق وقف الأعمال العدائية. واكتفى السفير الفرنسي هيرفيه ماغرو بالقول: “مستمرون بمساعينا والعمل لحل المسألة”، فيما وزّع المكتب الاعلامي لرئيس المجلس أنه “شدّد على أهمية التمسك والالتزام باتفاق تشرين 2024 وبلجنة الميكانيزم كإطار عملي وتفاوضي لتطبيق الاتفاق”. أما السفير الأميركي ميشال عيسى، فبدا متجهّماً لدى مغادرته بعد الاجتماع مع بري الذي دام خمسين دقيقة.
في أي حال، نُقل عن بري تحذيره من “أن الغرق في تحديد مذاهب أعضاء الوفد في حال اكتماله قد يؤدي إلى المزيد من نبش وحول طائفية وقد يؤدي إلى الفتنة بين اللبنانيين”، وأن بري يحذر من “الوقوع في هذا الفخ”.
وكتبت” الاخبار”: يتكثّف حراك افتراضي لترتيب مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، مع تأكيد المصادر الغربية أن الحديث عنها أقرب إلى تقديرات، وما يميّزها هو هرولة السلطة اللبنانية في اتجاهها، علماً أن كيان الاحتلال لا يُريدها في المدى المنظور، قبلَ فرض الواقع الذي يريده بقوة النار، ما يسمح له بفرض وقائع سياسية.
مع ذلك، لم تتوقف آلة الضغط الخارجية عن مهمة دفع لبنان في اتجاه المزيد من تقديم التنازلات. ويجري الحديث عن اتصالات أميركية – فرنسية مع رئيس مجلس النواب نبيه بري لإقناعه بالموافقة على ضم عضو شيعي إلى الوفد وتغطية السير بالتفاوض. وهو ما كان مدار بحث خلال زيارتَي السفير الأميركي ميشال عيسى والفرنسي هيرفيه ماغرو إلى عين التينة، مع اقتراح بأن يقوم بري بزيارة إلى بعبدا ويُعلِن من هناك تأييده لمبادرة رئيس الجمهورية، وهو ما تحدّث به السفيران الفرنسي والأميركي، وردّ عليه بري بأنه مؤيّد للمبادرة لكنه يرفض التفاوض تحت النار، وأن الجلوس إلى طاولة التفاوض في الوقت الذي تتوغّل فيه إسرائيل يعني الاعتراف الضمني بما تسعى إليه تل أبيب نتيجةً للحرب، بينما لا تبدو هي مستعجلة على أي اتفاق إلّا إذا كان تتويجاً لنتائج الميدان.
ونقل زوار بري أنه أبلغ الجميع تمسّكه برفض أي حوار قبل وقف إطلاق النار، وأنه أبلغ الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش رسالة إلى العواصم الغربية، بأن مصلحة الجميع تكمن في العودة إلى اتفاق 27 تشرين الثاني 2024، واعتماد «الميكانيزم» كآلية لأي مفاوضات مُفترضة، علماً أن الجانب الفرنسي الذي تلقّى صفعة أميركية – إسرائيلية، قرّر إيفاد وزير خارجيته جان نويل بارو إلى بيروت الأسبوع المقبل، في ظل إصرار فرنسي على رعاية عملية التفاوض.
وقالت مصادر مواكبة للاتصالات إن لبنان الرسمي يبدو أنه متورّط إلى أبعد درجة في التآمر على المقاومة وأهلها، وأن رئيس الحكومة نواف سلام يوافق سلفاً على أي طلب خارجي، من دون مقاربته من زاوية مصلحة لبنان. وأوضحت المصادر، أنه من المُستغرب أن يواصل لبنان رمي الأوراق من دون أي أثمان مقابلة. وقالت: «عندما تقرّر الحكومة أن المقاومة غير شرعية، وتقول إنها تريد نزع سلاحها ولو بالقوة، ثم يتولّى نواب في مجلس النواب، من المقرّبين من رئيس الحكومة، مثل مارك ضو ووضاح الصادق، الحديث علناً عن أن كلفة أي مواجهة داخلية مع حزب الله تكون أقل كلفة على البلد من كلفة الحرب الإسرائيلية، فإن هذا يعني، أن هذه الحكومة ليست ذاهبة إلى التفاوض، بل إلى الاستماع لطلبات العدو من أجل ضمان استسلام كامل».
وتابعت المصادر، أنه يمكن تخيّل ما سيحدث في جلسة التفاوض إن عُقدت، حيث سيبادر مندوب العدو إلى إخراج أوراق تتضمّن قرارات الحكومة من تلك التي تطلب من الجيش تنفيذ خطة حصر السلاح إلى قرارات اعتبار المقاومة منظّمة مخالِفة للقانون، وسوف يقول للوفد اللبناني: «نحن نريد منكم، تنفيذ هذا الالتزام، وبعدها نسوّي الأمور الأخرى».
وأوضحت المصادر أن طريقة تعامل الحكومة مع قيادة الجيش تعكس هذا المناخ التآمري، وليس العكس، وبالتالي، فإن ما يريده أركان الحكم في لبنان، لم يعد يقتصر على تنازلات سياسية عامة، بل يقود إلى ما يخرّب كل البلاد ، ودعت المصادر رئيس المجلس نبيه بري، إلى المبادرة سريعاً إلى سحب موافقة وزراء حركة «أمل» على قرار الحكومة رفع الغطاء عن المقاومة، قبل أن يقبل بأي حوار مع المسؤولين الآخرين بشأن وفد التفاوض، وأن عدم تراجع الحكومة عن قرارها، سوف تكون له تداعيات خطيرة، ليس أقلها وضع الجيش في موقع شديد الخطورة، وهو ما تتنبّه له قيادة الجيش، التي فهمت من الرئيس جوزيف عون أنه يتفهّم موقفها، وهو لا يوافق على أي تغيير في صفوفها، كما لا يريد جرّها إلى مواجهة مع أحد في لبنان.
وفي بعبدا، حيث الاتصالات شبه منقطعة مع الجهات الخارجية الفاعلة، أعلن رئيس الجمهورية جوزاف عون ضرورة «وقف النزف المتواصل»، وأمل في حصول خرق في المبادرة التي أطلقها «من أجل وقف الخسارة اليومية، إذ ليس هناك من أفق عسكري ممكن». وأضاف: «لم يكن أحد يتوقع أن تقع حرب الآخرين مجدّداً على أرضنا، الحرب التي ليست لنا علاقة بها لا من قريب ولا من بعيد»، قائلاً: «كلّما تأخّرنا كان الضرر والدمار أكبر».
