أخبار إجتماعية

الحوار الوطني حول السمنة: من الوعي إلى العمل

18 حزيران 2026
بيروت، لبنان، 2026

يتجه النقاش حول الوزن في لبنان نحو مقاربة أكثر شمولاً، تتجاوز اختزاله في مفهوم قوة الإرادة. ومن هنا أطلق أطباء سريريون وأخصائيون نفسيون وخبراء تغذية، إلى جانب ممثلين عن الجهات الحكومية، حواراً وطنياً يهدف إلى إعادة فهم هذه القضية وكيفية التعامل معها من منظور علمي – صحي متكامل.”
في 18 حزيران 2026، عقدت شركة “نوفو نورديسك ” (Novo Nordisk)، بالتعاون مع الجمعية اللبنانية لأمراض الغدد الصم والسكري والدهنيات (LSEDL)، حواراً وطنياً حول إدارة الوزن في بيروت، أدارته نائبة رئيس الجمعية الدكتورة مايا بركي.

ففي لبنان، يعاني نحو ثلث البالغين بما يعادل شخص واحد من بين كل ثلاثة من السمنة¹، في ظل أزمة صحية عالمية تطال أكثر من مليار شخص حول العالم². ورغم ذلك، لا يزال كثيرون يعتقدون أن زيادة الوزن أو السمنة هي نتيجة مباشرة لخيارات فردية أو لنقص الإرادة والانضباط. غير أن الأدلة العلمية تشير إلى أن هذه النظرة مبسطة ولا تعكس التعقيد الحقيقي للحالة³.
وفي هذا الاطار، أوضحت الدكتورة هاجر بلوط، رئيسة الجمعية اللبنانية لأمراض الغدد الصم والسكري والدهنيات، أن “وزن الجسم يتأثر بتفاعل مجموعة من العوامل البيولوجية والهرمونية والجينية والبيئية، إضافة إلى أنماط الحياة”. وأضافت: “عندما يلجأ الأفراد إلى طلب المشورة والدعم في مراحل مبكرة، يمكن لأخصائيي الرعاية الصحية مساعدتهم على وضع خطط علاجية وشخصية تدعم صحتهم وجودة حياتهم على المدى الطويل”.

غير أن التقدم في فهم الأسباب العلمية للسمنة لا يكفي ما دامت الوصمة الاجتماعية لا تزال تلقي بظلالها على نظرة المجتمع إلى هذه الحالة وعلى سبل التعامل معها. فآثار الوصمة لا تقتصر على الجانب النفسي والعاطفي فحسب، بل قد تشكل عائقاً فعلياً أمام لجوء الأفراد إلى طلب الدعم والرعاية الصحية في الوقت المناسب.
وفي هذا السياق، أكدت كل من الدكتورة رجاء مكي، رئيسة نقابة النفسانيين في لبنان، والدكتورة ناتالي ياغي، نائبة رئيس نقابة أخصائيي التغذية وتنظيم الوجبات في لبنان، على أن الوصمة الاجتماعية والتوقعات غير الواقعية المرتبطة بالوزن تمثلان أبرز التحديات التي قد تعيق الأفراد من تحقيق أهدافهم الصحية. واعتبرت الدكتورة مكي أن التعاطف والدعم المستمرين ليسا عنصرين ثانويين في الرعاية، بل يشكلان جزءاً أساسياً من رحلة العلاج وتحسين الصحة على المدى الطويل.”
توازيا، كان للدكتورة ياغي نفس التوجه ، حيث لفتت الى أن الحل يكمن في وضع أهداف صغيرة وقابلة للتحقيق بدلاً من التغيير الجذري المفاجئ. وأوضحت أن احتياجات الأفراد تختلف من شخص إلى آخر؛ فبينما قد تكون التعديلات السلوكية وتحسين نمط الحياة كافية لبعض الأشخاص، قد يحتاج آخرون إلى تدخلات طبية إضافية ضمن خطة رعاية متكاملة تُصمَّم وفق احتياجاتهم الفردية وتحت إشراف متخصصين⁴.
وتوافق هذا الطرح مع ما أكدت عليه الدكتورة بلوط والدكتور رودريغ شمالي، رئيس المجموعة اللبنانية لجراحة البدانة والأيض، اللذان شددا على أهمية اعتماد نهج علاجي شامل مبني على الأدلة العلمية لدعم الأفراد في إدارة الوزن وتحسين صحتهم على المدى الطويل.

ومع ذلك، لا يمكن للرعاية الصحية الفردية وحدها أن تعالج تحدياً بهذا الحجم حيث تتداخل فيه عدة عوامل، إذ تتطلب مواجهة السمنة مقاربة مجتمعية شاملة. فالبيئات التي ينشأ ويعيش فيها الأفراد، بما في ذلك المدارس والمجتمعات المحلية والمساحات العامة، تؤدي دوراً أساسياً في تشكيل السلوكيات والعادات الصحية، وتؤثر في الخيارات اليومية للأفراد قبل وقت طويل من لجوئهم إلى طلب الرعاية الطبية⁵.
وإنطلاقا من هنا، وتجسيداً لأهمية التعاون بين مختلف الجهات المعنية، شاركت كل من وزارة الصحة العامة اللبنانية، ممثلةً بالآنسة وفاء كنعان، الخبيرة في مجال الصحة والشؤون الاجتماعية، ووزارة التربية والتعليم العالي، ممثلةً بالآنسة سونيا نجم، في هذا الحوار. وأكدتا التزامهما بدعم الجهود الرامية إلى جعل الوقاية وتعزيز الصحة أولوية وطنية مشتركة، وذلك من خلال ، أولا ترسيخ العادات الصحية في المدارس، ثم تعزيز فرص ممارسة النشاط البدني في الحياة اليومية وأخيرا وليس آخرا ضمان إتاحة الدعم المناسب للجميع.
وهنا أوضحت كنعان قائلة: “الوقاية تبدأ في مرحلة مبكرة”. وقد أجمع المشاركون على أنه عندما تتكامل جهود المؤسسات المختلفة، تصبح الخيارات الصحية أكثر سهولة ومتحة للجميع.

اذا وفي الخلاصة، إن الرسالة واضحة: إدارة الوزن هي رحلة، ولا ينبغي لأحد أن ينطلق بها بمفرده. إذا كنت تعاني، فإن الدعم متوفر. استشر طبيبك، واتخذ الخطوة الأولى نحو عيش حياة أخف، جسدياً وعاطفياً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى