مش كل شي «فرنجي» برنجي

في ذاكرتنا الشعبية تعابيرٌ تُختَصَر، بكلمات قليلة، مواقفٌ اجتماعية وثقافية تحتاج إلى صفحات لشرحها. ومن هذه التعابير مقولة، «الفرنجي برنجي»، الذي يستعمله الناس للدلالة على تفضيل الأجنبي، وكأنّ كل ما يأتينا من الخارج يستحقّ، سلفًا، المرتبة الأولى.
الفرنجي» أو «الإفرنجي» تسمية ارتبطت بالفرنج، ثم اتّسع استعمالها الشعبي لتشمل ما هو أجنبي، ولا سيّما القادم من الغرب. أمّا «برنجي»، فهي كلمة من أصل تركي تعني الأوّل. وكأنّ العبارة تمنح كلّ ما يأتينا من الخارج المرتبة الأولى، قبل أن نراه أو نجرّبه أو نقارنه بما نصنعه نحن.
حتى أسماء الأمكنة تغيّرت. فأصبح المقهى «كوفي شوب»، والمزيّن «كوافير»، والمختبر «لاب»، ومركز التسوّق «مول». وعلى باب المكتب نقرأ «أوفيس فور رينت»، مع أنّ عبارة «مكتب للإيجار» واضحة ولا ينقصها شيء…
لا ضير في تعلّم اللغات واستعمالها، وهي حاجةٌ وجزء من حياتنا وتواصلنا مع العالم. لكن لماذا نشعر أحيانًا بأنّ الاسم الأجنبي يمنح المكان قيمة إضافية؟ وهل تتغيّر جودة القهوة إذا طلبناها في «كوفي شوب» بدل أن نشربها في مقهى؟…
قد تبدو المسألة بسيطة، لكنّها تكشف شيئًا من نظرتنا إلى أنفسنا. فحين نعتاد أن نربط الجودة بالخارج، يصبح من الصعب علينا أن نرى الإبداع القريب منّا، حتى لو كان أمام أعيننا.
ولم يقتصر الأمر على هذه التسميات وحسب، بل تسلّل إلى عقول الناس ونفوسهم، ليُعيد تشكيل معاييرهم الداخلية التي نشؤوا عليها، ويختزل ثقافتهم وتراثهم ضمن إطار ضيّق: “قبول سريع بكلّ ما هو دخيل على تاريخنا العظيم”. هكذا، تُصبح الفكرة المستوردة والدخيلة ذات قيمة فلسفية، وحداثة وإنجاز ثقافي، متغافلين، عن قصد أو غير قصد!..، عن أنّ بيروت أمّ الشرائع، وعاصمة للثقافة، وثاني عاصمة عالمية للكتاب، وعاصمة للإعلام العربي. وهي المدرسة والجامعة والمشفى ودار النشر والمطبعة، وبلد السياحة في كلّ الفصول. وستبقى بيروت «ستّ الدنيا» ومنصّة انطلاق للإنتاج الأدبي والفنّي والفكري.
فعندما يتقاعص المسؤولون في الدولة عن احتضان المبدعين اللبنانيين وتبنّي الأفكارالإبداعية في كافّة مجالاتها، ورعاية الفعاليات الفنية (نحت، رسم، فنون بأنواعها، ابتكارات ثقافية وإعلامية، وكتب ومؤلّفات… )، نكون أمام اختبار حقيقي في مواجهة موجات تهدف إلى طمس التاريخ، من أشخاص يبكون لبنان وينعون منارته العلمية والفكرية والأدبية، ويمعنون في هدم ثقافتنا وحضارتنا، إذ يكتفون بالتذمّر والشكوى مستندين إلى جمال الحياة في دول أخرى، ومتلهّين بالمقارنة بين هنا وهناك…
ولو اقتصر كلامهم على داخل المجتمع اللبناني، لكان الأذى أقلّ بكثير، لكنّه يتوزّع على العالم صحافيًا وإعلاميًا، وعبر وسائط التواصل، ليستهوِل العالم ما يجري في لبنان، بشهادة شاهد من أهله.
ولكلامنا عن لبنان أثر، خصوصًا حين ينتقل إلى العالم عبر الإعلام ومنصّات التواصل. من واجبنا أن نكشف تقصير المعنيين، وأن نطالب بحقوقنا من دون مساومة. ومن واجبنا أيضًا أن نروي حكاية النجاح حين نجدها، وأن نعطي العمل الجيّد حقّه، فلا تصبح صورة البلد محصورة بما يؤلمنا فيه.
“مش كل شي فرنجي برنجي”.
لدى لبنان إرث ثقافي وحضاري يستحقّ أن نعرفه ونحفظه. وهو اجمل على الإطلاق، ولديه ما يكفي ليحكي عن تاريخه العريق، بلا استعارة أو استيراد أفكار يعتبرها البعض إبداعات فنّية واختراعات لا تقلّ أهمّية عن اختراع المنظور في عصر النهضة.!…
فأجدادنا هم من صاغوا الحرف وعمّموه وصدّروه إلى البشرية جمعاء، ونشروا العلم والمعرفة، وحملوا لبنان رسالة حبّ وعطاء وسلام إلى مشارق الأرض ومغاربها، وقد رأينا في بلاد الاغتراب لبنانيين حملوا هذه الروح معهم. تعلّموا من المجتمعات التي استقبلتهم، وأعطوها من خبرتهم وجهدهم، وبقي لبنان حاضرًا في أذهانهم وذاكرتهم وعلاقاتهم. كانوا، بما فعلوه، سفراء له من دون جوازات سفر دبلوماسية.
. وهناك ثمّة قصص كثيرة ينبغي أن تصل إلى أبنائنا. نرويها بأمانة، ونوثّقها، ونبني عليها أعمالًا جديدة تحمل شيئًا منّا إلى المستقبل.
إذا ما تمعّنا في هذا الأمر لعلمنا أننا نجلد أنفسنا، ولو تأمَّلنا ذواتنا لوجدنا أنَّنا أعداء أنفسنا، وأنّ لا أحد يسيء لوطننا بقدر ما نفعل نحن .. فالوطن يحتاج إلى جمهور مثقف، وعقول نقية تجعله وطناً حقيقياً…



