لا تصنيف

دولة تُستنزف… ومواطنة تبحث عن وطن  بقلم وائل خليل ناشر ورئيس تحرير Lebanon Gate

ليس أخطر على الأوطان من أن يصبح الفساد أمراً اعتيادياً، وأن تتحول معاناة الناس إلى خبر يومي لا يثير الدهشة، وأن يعتاد المواطن دفع الفاتورة مرتين وثلاثاً لقاء خدمة يفترض أنها حق وليست منّة.

في لبنان، لم تعد الأزمة مجرد أرقام في تقارير مالية، ولا مجرد انهيار في سعر العملة أو تراجع في مستوى الخدمات، بل أصبحت أزمة ضمير عام، وأزمة مواطنة، وأزمة دولة فقدت، في كثير من مفاصلها، القدرة على إقناع مواطنيها بأن القانون يُطبّق على الجميع بالمعيار نفسه.

آن الأوان لإقفال مزاريب الهدر، وتجفيف منابع الفساد، ووضع حد لكل نافذة تستنزف المال العام، لأن استمرار هذا الواقع لم يعد مجرد خلل إداري، بل تهديد مباشر لمستقبل وطن بأكمله. فالمواطن لم يعد يحتمل أن يدفع ثمن الكهرباء مرتين، والمياه مرتين، والاستشفاء مرتين، والتعليم مرتين، فيما الخدمات الأساسية تتراجع، والمال العام يواصل النزف.

لكن الحقيقة التي لا يجوز تجاهلها أن الفساد لا يعيش في الإدارات وحدها، بل يتغذى أيضاً من ثقافة اجتماعية سمحت، أحياناً، بتبرير الواسطة، وغضّت الطرف عن الرشوة، واعتبرت التحايل على القانون نوعاً من “الشطارة”. وهنا تبدأ المواطنة الحقيقية: عندما يرفض المواطن المخالفة كما يرفضها من المسؤول، ويطالب بتطبيق القانون على نفسه قبل غيره.

ولا يمكن الحديث عن الإصلاح من دون التوقف عند البلديات، تلك السلطة المحلية التي أنشئت لتكون الأقرب إلى الناس، والأكثر قدرة على تشخيص حاجاتهم اليومية والاستجابة لها. فالمواطن لا ينتظر من مجلسه البلدي مهرجاناً موسمياً، ولا حفلات افتتاح، ولا صوراً دعائية تملأ وسائل التواصل الاجتماعي، بل ينتظر أرصفة آمنة، وإنارة، ونظافة، وتشجيراً، وتنظيماً للسير، ورقابة على المخالفات، وخطة تنموية يشعر بأثرها في حياته اليومية.

البلدية ليست منصة استعراض، ولا فرقة زفة، ولا مساحة لصناعة الشهرة الشخصية، بل مؤسسة عامة تُقاس قيمتها بما تنجزه على الأرض، لا بعدد اللافتات ولا بحجم الحملات الإعلامية. فالإنجاز الحقيقي لا يحتاج إلى مكبرات صوت، بل يراه المواطن في شارعه، وحيّه، وبيئته، وفي احترام القانون على الجميع بلا استثناء.

لقد دفع اللبنانيون ثمناً باهظاً نتيجة تراكم الأخطاء والإهمال وسوء الإدارة. وخسرت البلاد أرواحاً لا تُعوَّض في محطات مؤلمة، أبرزها كارثة انفجار مرفأ بيروت التي أودت بحياة أكثر من 218 شخصاً وأصابت الآلاف، وما زال اللبنانيون ينتظرون حقيقة كاملة وعدالة ناجزة، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون، لأن العدالة ليست انتقاماً، بل شرط أساسي لقيام الدولة.

إن بناء دولة المؤسسات لا يبدأ بخطاب سياسي، ولا ببيان وزاري، بل يبدأ عندما يدرك الجميع أن الوظيفة العامة تكليف لا تشريف، وأن المال العام أمانة لا غنيمة، وأن المسؤولية تُقابلها مساءلة، وأن كل من يثبت تقصيره أو ارتكابه لأي مخالفة يجب أن يخضع للمحاسبة دون استثناء أو حصانة أو انتقائية.

لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى مؤسسات تعمل، وقضاء مستقل يحاسب، وإدارات تخدم الناس، وبلديات تؤدي دورها التنموي الحقيقي، ومواطن يرفض أن يكون شريكاً، ولو بالصمت، في أي مخالفة أو فساد. فعندما تصبح المواطنة ثقافة، لا مجرد كلمة في الدستور، وعندما تصبح المحاسبة ممارسة يومية لا موسمية، عندها فقط يمكن أن نقول إننا بدأنا نؤسس لدولة يستحقها كل “آدمي”. وشريف.

وحتى يحين ذلك اليوم، سيبقى السؤال الذي يردده كل لبناني: متى تتوقف الفواتير التي يدفعها المواطن، بينما يبقى حساب المقصرين في الأدراج مؤجلاً؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى